محمد أبو زهرة
227
المعجزة الكبرى القرآن
ولا نقص بذلك الحذف ، بل فيه زيادة معنى ، وهو أن الأمر شائع عام للجميع ، وكأن كل من في القرية يعرف حتى البنيان ، والمساكن والأسواق ، أي ذلك أمر معروف ، لا موضع للكذب فيه . وحقيقة الإطناب أن المعاني تكون والألفاظ على قدر واحد في الكثرة ، والألفاظ بناء متكامل لا ينقص منه لبنة ، ولكن الإطناب يكون متجها إلى تفصيل الألفاظ في الدلالة ، فلا يستغنى بلازم عن ملزوم ، ولا بملزوم عن لازم ، ولا بعام عن خاص ، ولا بخاص عن عام ، ولا بدلالة الأولى عن نص اللفظ ، ولا بالإشارة عن العبارة ، بل كل ما يقتضيه المقام يجيء في وضوح كامل ، لا يكتفى فيه بالتضمن ، ولا بالإشارة ولا بالالتزام . ومثال ذلك في الحسيات ، وإن كان لكلام اللّه تعالى المثل الأعلى ، أن تطلب من شخص وصف قصر ، فيصف أبعاده ، طوله وعرضه ، وارتفاعه وزيناته ، ثم يصف الغرفات غرفة غرفة ، ودعائم بناء القصر ، ويسترسل في وصفه كأنك تراه ، وهذا إطناب يكون له مقامه إذا كان لمن يريد شراءه أو سكناه . وقد يقول في وصفه أحيانا أنه على أكمل صورة لتصور المترفين طلاء وحلية . ولا شك أن الأول إطناب لا زيادة فيه ما دام غير قاصد إلا لبيان ما فيه والثاني إيجاز لا قصور فيه . ولنضرب لذلك مثلا سورة الطلاق التي بينت وقت الطلاق ، وما يكون بعده ، وما يجب للمطلقة ، وما يجب على المطلق ، مع الإيجاز في بعض الأحكام التي تشمل حال الطلاق وغيره . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً ( 1 ) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ( 3 ) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ( 4 ) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ( 5 ) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ